المقريزي
31
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
التّرفّع على كثير من الناس وتعاظم تعاظما كثيرا . فلمّا سار الملك النّاصر فرج بن برقوق إلى الشام يريد محاربة الأمير تنم ومن التجأ إليه من أمراء مصر الذين فرّوا بعد موت الظّاهر برقوق إلى تنم نائب الشام سار الصّدر مع السّلطان ومشى من عنده في الرّسالة إلى الأمير أيتمش والأمير تنم فأجلّا قدومه ، وبالغا في إكرامه ، وقدّما له أموالا وثيابا وعاد إلى السّلطان وكان من واقعة تنم وقتله وقتل أيتمش ما ذكر في ترجمة الملك النّاصر من هذا الكتاب ، فتعالى الصّدر وقد تعدّى طور القضاة وصار في عداد الملوك وبالغ في التّرف وكان من عظماء المترفين وتجبّر وكان يعدّ من الجبّارين المتكبّرين . فلمّا سار النّاصر لحرب الطّاغية تيمور رحل معه في بذخ كبير ورحل كثير وحال متّسع ، فلمّا انكسر النّاصر من تيمور وفرّ من دمشق وتمزّق الناس قبض أعوان تيمور على الصّدر ظنّا منهم أنه الخليفة ، فنزعوا عنه ثيابه وكان شتاء فأمر تيمور بإحضاره فسيق إليه وقد ألبس ثوبا تبدو منه عورته لقصره وفي يده حبل يجبذ به ، فأوقف وعند تيمور أعيان دمشق من الفقهاء والقضاة وغيرهم ، فكبر عليهم ما عاينوا من مصاب الصّدر وسألوا تيمور في أمره فأمر أن يلبس ثيابه التي كانت عليه لمّا أمسك فألبس ، وأخذ تيمور يوبّخه ويقرّعه ويهدّده ، ثم أمر به ليقتل فقام قضاة دمشق وأعيانها يشفعون إلى تيمور فيه فشفّعهم وعفى عنه من القتل ووكّل به من يحفظه . فلمّا كان في بعض الأيام أحضر تيمور قضاة دمشق للنّظر في أمر شخص ادّعى أنه من بني العباس وحضر الصّدر في جملتهم فجلس على عادته فوق قضاة دمشق ، فغضب تيمور وأمر بإقامته وجلوسه تحت أدناهم وأقلّهم ، وقال له ما معناه : إنّ المسخوط عليه لا يجلس فوق أحد ، فلمّا انقضى المجلس عاد مع الحفظة الذين وكّلوا به إلى غرفة في منارة جامع دمشق فسجن بها مقيّدا مهانا إلى أن رحل تيمور من دمشق . . . قد